الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

109

مرآة الحقائق

تلك الضلع ضلعا من أضلاع آدم ؛ دلّ على جزئية حواء لآدم ؛ ولذا مال إليها ميلا كليا ميل الكل إلى جزئه . ومنه حبب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم النساء ، وظهرت المحبة في آدم دون حواء ؛ لأن آدم موطن حواء ، والمرء لا يتحد بموطنه اتحاد الكل بجزئه ، فاقتضت صفة الحياء المأخوذة من الحي ؛ وهو آدم إخفاء المحبة من جانب حواء . ولمّا ذكرنا من سرّ الأحدية والواحدية ؛ أنزل اللّه تعالى حروف التهجّي على آدم ، فكما أن الألف كانت أول الحروف اللفظية ، ثم منها تركّب سائر الحروف على اختلاف هيئاتها . فكذا آدم كان أول حرف معنوي بدأ اللّه تعالى به سائر الحروف المعنوية ؛ فاشتمل على نقطة ، وحرف ، وكلمة ، وآية ، وسورة . فكان في مرتبة الشؤون الغيبية نقطة ، وفي مرتبة الأعيان الثانية حرفا ، وفي مرتبة الروحانية كلمة ، وفي مرتبة المثالية آية ، وفي مرتبة الحس والجسم سورة ، وكان أوله البسملة والفاتحة المبدوءة باللّه ، وآخره الناس ، ففيه سر الألوهية والربوبية مع كونه في صورة الناس ، إذ لا اعتبار بالصورة ؛ بل بالحقائق ، فعليك بالوصول إلى أصلك البسيط ففيه سر اسم المحيط ، وعليك بصلة أمك الواحدية أكثر من صلة أبيك الأحدية ؛ لأنها الواسطة . وقال اللّه سبحانه : وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً [ النساء : 4 ] : أي أتوا أيها الأزواج مهور النساء اللآئي أردتم نكاحهن ، كما قال تعالى : أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ [ النساء : 24 ] ؛ حال كون الصدقات عطية من جانب هذا . أحد الوجوه في الآية : فإن قلت : لا شك أن المهور واجبة على الأزواج فكيف عبر عن إيتائها بالنحلة ، وجعلها من قبيل العطية ؟ قلت : إن النحلة أخص من الهبة ؛ لأنها عطية على سبيل التبرّع من طيب نفس بلا توقع عوض ؛ فأشار بالنحلة إلى أن الإيتاء ينبغي أن يكون عن كمال الرضا ، وطيب الخاطر ؛ وذلك لا ينافي أن يكون المهور واجبة في نفسها ؛ فهي فرض نافلة فأفهم جدا . وفيه إشارة إلى أن السنن في حكم الفرائض ، فمن اقتصر على الفرائض ، وترك السنن والنوافل ؛ فهو لم يأت بشيء تقتضيه الحكمة ، وذلك أن الفرائض في مقابلة